الضغط الأمريكي على لبنان مستمر.. وأول الإنفراجات تكليف "دياب"

20.12.2019, 20:11, بيروت

الدكتور هيثم أبو سعيد: الخلفية التي يأتي منها الرئيس المكلف حسان دياب تشير أن الرجل له آراء ورؤى متقدمة وقوية على المستوى الإقتصادي، ويعمل بهدوء دون إنفعال منذ أن شغل عدد من الوظائف العامة والوزارية.

 فيسبوك (حسان دياب)

كان وضع الحراك في اليومين الأولين صادقاً وشفاّفاً ويحمل في طياته هموم ومطالب حقيقية للناس في لبنان من كل طبقاته الإجتماعية. ولكن سرعان ما تبدد المشهد الإنساني من خلال تدخلات لقوى سياسية محلية وإقليمية ودولية أن تأخذ الشارع المنتفض إلى مكان آخر من جوهره الحقيقي لتسجيل نقاط سياسية ومعنوية تجاه شريحة كبرى أخرى في لبنان. والمعروف تحت مسمّى قوى الثامن من آذار الذي تعتبره الولايات المتحدة الأميركية وتسوّق له بعض الدول التي تدور في فلكها على أنها تخضع لسلطة حزب الله وتتبع مفهوم ولاية الفقيه في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

 

خطر قائم

 

 إن الهدف من كل هذا هو إضعاف قدرات لبنان الدفاعية الذي يشكل عامودها الفقري "المقاومة اللبنانية" تحت راية حزب الله من خلال المطالبة بهذا الحراك الذي أراده الأميركي إسقاط سلاح حزب الله، وهنا بيت القصيد حسب ما تكشف في الأيام القلية لبدء الحراك، وتجلّى ذلك بالشعارات والمطالب للبعض في الساحات تعبّر عن ذلك.يمكن الجزم بأن لبنان حتى كتابة هذا المقال يمكن أن نعتبر أنه إستطاع أن يتجاوز قطوعاً كبيراً وكارثة حقيقية لو لم يتم سحب فتيل التكليف لرئاسة الحكومة، مع الإعتقاد الجازم أيضاً أن الخطر ما زال موجوداً ولو بدرجة أقل.

 

إنّ المخطط الأميركي الواضح على لسان تصريحات المسؤولين الأميركيين بأن الإدارة تخطط لحصار إقتصادي قوي يصل إلى تجويع الشعب اللبناني من أجل الضغط على المقاومة في لبنان وتسليم سلاحها الإستراتيجي التي إستطاعت من خلاله إرساء توازن لا يستهان به مع الكيان الإسرائيلي حيث أصبح الأخير يحسب لمغامراته ألف حساب قبل أن يشن أي عمل إعتدائي على لبنان.

وعليه البناء فإن تلك الدول حاولت ان تقوم بعمل إنقلابي واسع في هذا الصدد أو أقلّه إلهاء اللبنانيين بالحراك لإراحة الكيان الإسرائيلي وسحب المقاومة إلى داخل الصراع اللبناني، وهذا بطبيعة الحال كان مستدركا من قبل المعنيين.

 

ترقب التشكيل

 

اليوم ما زال الأميركي يصرّ على إبتزاز لبنان من خلال الزيارات الدبلوماسية التي قام وسيقوم بها للضغط على القيادات اللبنانية عدم تمثيل شريحة كبرى لبنانية في الحكومة المقبلة، وقد بدأت تحضير العدّة لذلك من خلال القول إن القوى الدولية تترقب التشكيل لأن التكليف يفتقد للميثاقية والمقصود هنا تمثيل السنة ذات قاعدة حزبية برغم عدم حصول هذه القاعدة المزعومة على وحدوية المقاعد النيايية. لكن الهدف الحقيقي والغير معلن للولايات المتحدة الأميركية والإسرائيلية هو ترسيم الحدود البحرية مع لبنان بغية سرقة الجزء الكبير من البئر رقم (9) والذي يقدّر بمليارات الدولارات، لذلك لا بدّ من إزاحة القوة الرادعة إسرائيل وهي حزب الله لتمرير مخطط شفط النفط دون أن يكون للحزب أي صوت داخل المؤسسات الرسمية للإعتراض على أي صفقة قد تكون لصالح أميركا والحلف الذي يقف وراءها.

 

حتى الآن لا يمكن الجزم في هذا الأمر، إلا أن الخلفية التي يأتي منها الرئيس المكلف حسان دياب تشير أن الرجل له آراء ورؤى متقدمة وقوية على المستوى الإقتصادي، ويعمل بهدوء دون إنفعال منذ أن شغل عدد من الوظائف العامة والوزارية.

 

ضغط أمريكي مستمر

 

وهنا لا يدّ من الإشارة إلى أن الوضع الإقتصادي المعقد اليوم مرتبط بالحالة السياسية العامة للبنان ولا يمكن التأكّد ما إذا كان سيتمكّن من حل كل الموضوعات الشائكة بوقت معين كما يريد البعض تحديد مدة زمنية لحكومته من باب تفشيله والإتيان بآخرين وهذا ما تعمل عليه أميركا. لذلك نعتقد أن الضغط الأميركي سيستمر وقد يتزايد حسب المعطيات الإقليمية أيضاً. يجب ألا ننسى أن لبنان يتحمل ثقل النازح السوري وبات عامل ومؤشر سلبي في نواحي كثيرة إقتصادية بعد أن كان عامل إستفادة للبعض ممن تولّوا حقائب تتعلّق بهذا الشأن.

 

بناء على ما تقدّم أعلاه نرى أن الرئيس المكلف وبعد التأليف، بحاجة إلى إعتماد صيغة تعتمد على المطالب الذي نادى بها الحراك في القضايا المعيشية والمطلبية دون التطرق إلى ملفات ذات طابع إستراتيجي، لأن هذا الأمر مرتبط بواقع سياسي فكري وحتى عقائدي، حتى يبدأ من إزالة كل العقد والمطبات لإنجاح المشروع الإقتصادي ويضع برنامج إستثماري مستقل عن المحاور السياسية الدولية ولا يكون طرفاً في تلك النزاعات وفي نفس الوقت يستفيد من الدول كلها التي تريد أن تستثمر دون خلفيات أو أجندات سياسية محورية.

 

ولا شك أن الوضع الحكومي الجديد سيكون عامل مؤثر على قاعدة الرئيس سعد الحريري ولكن ليس هناك رفض بهذا الحجم الذي يراه البعض. ما زالت له حالة ضمن المجتمع اللبناني ولو أن خروجه من الحكومة سيضعه في رتبة أدنى مما كان عليها قبل الإستقالة.

 

لكن هناك مشكلة سياسية كبيرة سيواجهها الرئيس الحريري مع من كان حليفه في الأمس، حيث السياسات في لبنان تعتمد عدم الثبات في موقع واحد، لأن ما يجمع تلك القوى السياسية هي مصالح آنية غير مرتبطة بمشروع سياسي واسع كما هو حال الفريق المضاد للرئيس الحريري، وهذا طبعا عامل إضافي لخفض بعض الشيء من شعبية رئيس الحكومة السابق.

 

خاص وكالة "رياليست" - السفير الدكتور هيثم أبو سعيد، مفوض الشرق الأوسط في اللجنة الدولية لحقوق الإنسان – لبنان