تصعيد أمريكي على مصر.. الأسباب والدوافع!

29.11.2019, 17:35, باريس

من بوابة الدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان، إرتفعت وتيرة الهجوم على مصر، خاصة عندما قررت الدولة المصرية تنفيذ صفقات عقود التسليح من روسيا والصين وفرنسا وألمانيا وغيرهم، الأمر الذي غيّر حتماً واقع التحكم الأمريكي في نوعية وقدرات وتسليح القوات المسلحة المصرية، وأصبحت الصفقات المصرية - الروسية تتصدر أبرز العناوين داخل أمريكا والدول الغربية.

مصدر الصورة: المصري اليوم

إن الجدل حول عمل المنظمات والهيئات الحقوقية حول العالم، يُعتبر أمراً شائكاً سواء كانت هذه المنظمات تدّعي الإستقلالية أو ممولة ذاتياً أو تابعة وممولة من حكومات، أو تدار عبر وزارات خارجية متعددة أو أجهزة إستخبارات ذات أوجه عدّة.

طبقاً للمقدمة أعلاه، يأتي إستهداف أجهزة ومؤسسات أمنية مصرية عن طريق منظمات مشبوهة التأسيس والتوجه والتمويل والتوظيف.

 

ضغط أمريكي

 

من هنا، وفي وقت حكم الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك كانت الإدارة الأمريكية وعبر تعاقب عدد من رؤسائها تضغط على الإدارة المصرية لإنشاء وتفعيل عمل جمعيات ومنظمات حقوقية تابعة وممولة من هيئات تعود للخارجية الأمريكية والبنتاغون، وبالتالي وثيقة الصلة بالمخابرات الأمريكية، الأمر الذي رحبّت به مصر ولكن طبقا للقانون المصري المتخصص في هذا الشأن، وأن تخضع الأموال التي تتلقاها من أي جهة مانحة للرقابة طبقا للقانون، وكذلك أوجه الصرف ونوعية الأنشطة التي تقوم بها داخل المجتمع المصري، من ضمن الحقوق الأصلية للدولة المصرية.

 

وبالتالي، جاء موقف مصر في هذا الخصوص مخالفاً للإرادة الأمريكية المتعاقبة، حيث قرروا إقتطاع جزء من المعونة الأمريكية لمصر وكذلك مصادر تمويل أخرى عبر حلفاء لأمريكا، وضمن المشروع الخاص لهدم دول المنطقة وتمزيقها، عبر دولة قطر التي كانت إحدى وجهات التمويل لتلك العمليات داخل مصر ودول المنطقة.

 

 وبناءً على ذلك إستخدم هذا التمويل المباشر وعبر طرق ملتوية وبعيداً عن الوضع القانوني، لتمويل وتجنيد أفراد ومنظمات وجمعيات لخدمة مشروع الفوضى الخلاقة في مصر والمنطقة تحت مسمى نشر الديمقراطية وإعلاء قيمة الحريات، كما حدث ويحدث عربيّاً، في كل من العراق وسوريا واليمن وليبيا والسودان والصومال، وغيرها من دول العالم مثل فنزويلا وتشيلي وبوليفيا ومؤخراً في هونغ كونغ.

 

تحريض على الإنقلاب

 

أما في مصر، فلقد كان السلوك الممنهج السابق للإدارة الأمريكية ووكلائها من المنظمات والجمعيات التي تمول بصورة غير قانونية في مصر على خلفية الفوضى وما تبعها من إستيلاء جماعة الإخوان المسلمين (جماعة إرهابية طبقاً للقانون الروسي و المصري) على السلطة، ثم تبع ذلك إرهاب ممنهج يستمر حتى اليوم ضد الدولة بكاملها وتحت غطاء ومظلة الحريات وحقوق الإنسان، في محاولة لتدمير بنية وتركيبة الدولة المؤسساتية. إذ أن ملف التمويل الأجنبي في مصر، ملف شائك جداً، يحتاج إلى حسم من قبل الإدارة المصرية التي تتلكأ فيه، فملف تخريب مصر يجب ألا يخضع للموائمات السياسية، فالجهات المصرية العليا لديها أدلة حول ذلك، وبالتالي إن الإدانة بصورة قانونية ستتحقق بكل تأكيد. 

 

إن حماية الجماعات الإرهابية والجمعيات المتطرفة تحت مظلة الديمقراطية وحقوق الإنسان وتسهيل عملهم في كافة العواصم الغربية والتسويق لهم على أنهم الحل الأمثل لتحقيق الديمقراطية ورفع سقف الحريات في مجتمعات الشرق الأوسط وإفريقيا يتم عبر السماح لهم بشراء أسهم في مؤسسات تعليمية وصحفية ومنصات إعلام مرئي ومسموع ومقروء وإعداد لقاءات لهم مع وزراء خارجية هذه الدول ومسؤولي الإدارات داخل هذه الوزارات لتسويقهم على أنهم يحظون بدعم إدارات غربية، وبالتالي يعتبر هذا الأمر تحريضاً للإنقلاب على الإدارات الوطنية سواء لمصر أو لغيرها.

 

تجاوزات سلوكية

 

إن الدولة المصرية تحتضن ما يزيد على خمسة ملايين لاجئ يتعايشون مع الشعب المصري، كما أنها تقاوم إنتشار الإرهاب من خلال تقديم الشهداء من أبنائها ومواردها، وتعاني من آثار الإرهاب السلبية، الي هو نفسه من قاموا بتأسيسه ودعمه بإعتراف وزير الخارجية الأسبق هيلاري كلينتون أمام الكونغرس، زد على ذلك أن مصر من أوقفت تماماً الهجرة غير الشرعية عبر أراضيها وسواحلها منذ العام 2016، وأقامت نماذج رائدة على مستوى العالم، من الأبنية السكنية الحضارية مكان العشوائيات، تتهم بعدم إحترام حقوق الإنسان!

 

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تبعه تطاول على شخص رئيس الجمهورية وقيادات الدولة المصرية، ضمن إطار عمل ممنهج، إذ يأتي ذلك مع كل نجاح تحققه الدولة المصرية في التنمية، فهل يدخل ذلك ضمن حقوق الإنسان وعدم إحترام الحريات؟

 

صفقات التسليح

 

من بوابة الدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان، إرتفعت وتيرة الهجوم على مصر، خاصة عندما قررت الدولة المصرية تنفيذ صفقات عقود التسليح من روسيا والصين وفرنسا وألمانيا وغيرهم، الأمر الذي غيّر حتماً واقع التحكم الأمريكي في نوعية وقدرات وتسليح القوات المسلحة المصرية، وأصبحت الصفقات المصرية - الروسية تتصدر أبرز العناوين داخل أمريكا والدول الغربية.

 

 الآن، إن التعاون المصري -الروسي يسبب ضغطاً متزايداً داخل الإدارة الأمريكية نتيجة للضغوط الإسرائيلية عليها، إذ أن الإتفاق الضمني الملزم بينهما يقضي بأن تضمن أمريكا تفوق إسرائيل العسكري على كافة دول المنطقة، وهذا مالم تعد تقبل به مصر نهائيا، وبالتالي أدى هذا السبب لتفعيل الضغط على مصر، من بوابة الحريات وحقوق الإنسان، من خلال تأليب الشعب على حكومة بلاده، وقد نجحوا بخلق هذه الحالة لدى جزء كبير من الداخل المصري والمحيط الإقليمي.

 

حصار مصر

 

ويتضح من حالات الهجوم الممنهج ضد مصر أن البلاد مقبلة على تصعيد مفاده أن ثورة 30/06/2013 والتي قام الشعب فيها بمساندة القوات المسلحة المصرية والتي نتج عنها إنهاء مشروع خراب مصر وعزل الإرهابيين، وكلاء المخابرات الأمريكية، لا يزال حجر عثرة في المخطط الإستراتيجي الأمريكي وعملائه في المنطقة والعالم، وبناءً على ذلك تم تصعيد مشكلة سد النهضة مع مصر عن طريق إثيوبيا، ليكون ذلك ذريعة للتدخل الأمريكي في الشؤون المصرية، الأمر الذي لن تقبل به الحكومة المصرية طالما أنه لا يتوافق مع مصالح مصر وشعبها.

 

وربطاً مع ما سبق، فإن الأزمة الليبية لن تحل في المنظور القريب، وكذلك السودان لن يدخل مرحلة الإستقرار قريبا، وموضوع سد النهضة ربما يهدأ مرحليا بحلحلة مؤقتة، لكن ستتم إثارته لاحقاً، وكذلك الأمن البحري في البحر الأحمر والمتوسط لن يكون على ما يرام وربما تشهد المرحلة القادمة دعم للإرهابيين لإحداث خلل أمني أكبر في سيناء، إضافة إلى الضغط على السعودية والإمارات لتخفيف التعاون مع مصر  ويتم الآن الإعداد لمرحلة فوضى جديدة في المنطقة على مرحلتين الأولى تبدأ بنهاية ديسمبر/ كانون الأول 2019 والثانية تبدأ مع بداية النصف الثاني من عام 2020 على أن تكون مصر جزء رئيس في الفوضى القادمة.

 

توقيت مريب

 

هل هي مصادفة أن تهاجم مصر وهي تقوم بأكبر مشروع تنموي في تاريخ مصر والمنطقة بالكامل، إذ يتجاوز المشروع ما قيمته 250 مليار دولار وتحقق معدلات نمو وصلت إلى 5.6% وإنخفاض نسبة بطالة ونمو صادرات وإنخفاض واردات ونجاح كبير بين الإقتصاديات الناشئة؟

 

 أم أن هذا يستوجب العودة إلى الخلف عندما كانت الخطة الخمسية بين الأعوام 1960-1965 التي كان معدل النمو فيها يتجاوز معدل النمو في ألمانيا وتبع ذلك عدوان 1967 لعدم بدء الخطة الخمسية 1965- 1970؟

 

هل نحن بصدد تكرار نفس السيناريو وإدخال مصر في دوامة العنف الداخلي وتوجيه كل مقدراتها لخوض صراع ممنهج يقضي على برنامج التنمية ويدخل بمصر مرحلة من عصر ما قبل الدولة؟

 

 من المؤكد أن هذا ما يرمون إليه، وهنا يستوجب التحذير من محاولات إستفزاز مصر والوصول معها إلى صدام مباشر ليس في مصلحة أي طرف، لكن إذا كان هناك إصرار على الوصول المتدرج لهذه المرحلة فإن مصر لن تخسر وحدها نهائياً بل ستخرج بأقل الخسائر في ظل خسائر فادحة لأطراف صناعة الأزمة.

 

إن الغد القريب مليء بمفاجآت ليست كلها سارة لكن بقاء الدولة الوطنية المصرية هو الهدف الإستراتيجي للمخطط الإستراتيجي المصري وكافة مؤسسات الدولة الوطنية والشعب بالكامل، إن مصر دولة قامت منذ بدء الخليقة ومستمرة حتى قيام الساعة.

 

 

محمد الألفي- خبير في العلاقات الدولية، خاص لوكالة أنباء "رياليست"