قراءة في الموقف الإريتري من مجريات أحداث في شـرق السودان

23.11.2019, 20:46, أنقرة

إن قضية تدخل النظام الإريتري في منطقة شرق السودان ليست بالحدث المستجد، إذ حاول مراراً من خلال التواصل مع القيادات الأهلية والدينية وزعماء القبائل، التأثير على الإقليم إجتماعياً وحتى دينياً بالرغم من مبدئه المناهض للدين، من خلال تقديمه للدعم المادي السخي لخلاوي الشيخ علي بيتاي، وكذلك حاول بسط نفوذه إقتصادياً من خلال تقوية شركة البحر الأحمر الشهيرة والتابعة لجهاز مخابراته من أجل التوغّل على خطوط التجارة الحدودية بين السودان وإرتيريا.

مصدر الصورة: السفير العربي

 

منذ أن أُزيح نظام الإنقاذ من حكم السودان في الحادي عشر من أبريل/ نيسان 2019، يعيش إقليم شرق السودان حالة من الإستقطاب القبلي الشديد، والتي نتج عنها إحتقان وتصادم دموي بين المكونات الأهلية القاطنة له. حيث وقع مؤخراً تحارباً بين قبيلتي البني عامر والنوبة، قتل فيه عدد من المواطنين، وجرح آخرون.  


ويمكننا أن نرجع حالة التنازع القبلي بين المكونات الشرقية إلى أسباب عديدة أولها وأهمها هي حرص بعض القبائل الشرقية في تثبيت الحقوق السياسية والإجتماعية في سودان ما بعد الإنقاذ والذي بدأت تترتب فيه الأوراق من جديد في ظل مساعي حثيثة لقادة الخرطوم الجدد لتجريد الحواضن الشعبية التي دعمت نظام الإنقاذ البائد من أي نفوذ سياسي أو إجتماعي وإقتصادي.

 

ويُرجع البعض الإحتقان الجاري في الإقليم إلى دور أيادٍ خارجية تريد التاثير على سودان ما بعد الإنقاذ بحيث تقوّي نفوذها في منطقة الشرق الأفريقي والتي تعيش حالة من التجاذب بين قوى إقليمية ودولية. وإرتيريا القريبة من إقليم شرق السودان جغرافياً وتتصل به إثنياً وقبلياً، تريد أن تحجز موقعها في هذه التنافس لا سيما أنها تعتبر هذه المنطقة خاصرتها الرخوة التي ربما تسعى القوى المناهضة لها لإستغلالها من أجل تهديد أمنها القومي.

 

وبالتالي يرى النظام الإريتري أن تأثيره على مجريات التحولات في شرق السودان هي أولوية تقتضيها متطلبات الأمن القومي. لذلك أي تبّدل في ميزان القوة في إقليم شرق السودان لا يخدم مصالحه، أو قد يؤثر عليه مستقبلاً، ولن يقبل به، وسيسخّر كل طاقاته وإمكانياته من أجل تحويله لحماية مصالحه.

 

إن قضية تدخل النظام الإريتري في منطقة شرق السودان ليست بالحدث المستجد، إذ حاول مراراً من خلال التواصل مع القيادات الأهلية والدينية وزعماء القبائل، التأثير على الإقليم إجتماعياً وحتى دينياً بالرغم من مبدئه المناهض للدين، من خلال تقديمه للدعم المادي السخي لخلاوي الشيخ علي بيتاي، وكذلك حاول بسط نفوذه إقتصادياً من خلال تقوية شركة البحر الأحمر الشهيرة والتابعة لجهاز مخابراته من أجل التوغّل على خطوط التجارة الحدودية بين السودان وإرتيريا.

 

وكان إتفاق شرق السودان الفرصة التي سنحت للنظام الإرتيري الولوج سياسيا في الإقليم من خلال الجمع بين جبهة الشرق وحكومة الخرطوم في العام 2006، وكذلك بعد التغيير الذي تم في السودان مؤخراً تُحاول أسمرة جاهدة توطيد هذا النفوذ بعد تأزم علاقتها بالخرطوم في الفترة الأخيرة من عُمر نظام البشير وذلك من خلال دعم بعض المكونات السياسية الفاعلة في المشهد السياسي السوداني مثل الجبهة الثورية السودانية والتي تتمتع بعلاقات قوية معها.

 

 

موقف أسمرة من مطلب الحكم الذاتي لأقليم شرق السودان

 

يلاحظ في الآونة الأخيرة بأن بعض الجهات السياسية والإجتماعية بدأت تروج وبشكل حثيث لمطلب الحكم الذاتي لإقليم شرق السودان دون تثبيت الآليات التي ستنفذ بها هذا المطلب أو توضيح الرؤية المستقبلية لشكل الحكم في الإقليم المتنوع قبليا وإثنيا ولغويا.

 

وبالتأكيد هذا المطلب هو بمقام المحفز لجموع الجماهير الشرقية التي تعاني من التهميش الذي يتمثل في فقر الخدمات الأسياسية والتنمية. ولكن المؤكد أيضاً هو أن كل ما تتمناه الجماهير لاتدركه بسهولة، لأن تعقيدات السياسة وتحركات القوى الإقليمية قد يمنع من الوصول إلى هذا المطلب وإن كان مشروعاً.

 

وإذا ما نظرنا إلى الممارسات السياسية للنظام الإرتيري خلال العقود السابقة يمكننا إستنتاج موقفه ورأيه في هذا المطلب، والذي برأينا قد يبدي موقفاً رافضاً له، لأن المشتركات التي تجمع مكونات شرق السودان مع القبائل الإرتيرية كثيرة قد يرى فيها مصدر قلق له في المستقبل. وبالتالي من المحتمل أن يقف في وجه هذا المطلب من خلال ممارسة الضغط على القوى السياسية والإجتماعية المؤثرة في الإقليم.

 

وفي حال ضعف حكومة الخرطوم المركزية في فرض سيطرتها على الإقليم ربما يرجح نظام أسمرة موقف دعم مطلب الحكم الذاتي لإقليم شرق السودان وذلك من أجل المحافظة على نفوذه الذي أسس له لسنين من خلال ربط المجموعات الدينية وزعماء القبائل والشخصيات القومية الشرقية به. وكذلك من أجل الحيلولة دون دخول قوى إقليمية ودولية ومحلية تناصبه العداء.

 

وأخيراً، إن استمرار الأوضاع في إقليم شرق السودان كما هي عليه دون التوصل لحلول جذرية لأزماته المزمنة ستعطي المبررات لبعض المكونات لتقديم مطالب سياسية عالية السقف قد تكون لها نتائج عكسية تضر بأمن وسلامة ووحدة السودان، فضلاً عن ضرب النسيج الإجتماعي للإقليم وإدخاله في أتون فوضى عارمة لن تستطيع أي جهة إحتوائها. وبالتالي على المكونات القبلية الشرقية والنخب السياسية العاقلة وشباب الشرق الواعي تحييد كل الشخصيات التي تُثير الإستقطاب والإنقسام العرقي في الإقليم بكل السبل الممكنة. فضلاً عن تمييز إيجابي تمارسه حكومة الخرطوم على المواطنين شرق السودان.

 

إبراهيم ناصر-  باحث بمركز أنقرة لدراسة الأزمات والسياسيات (أنكاسام)، خاص لوكالة أنباء "رياليست".