ملف معتقلي "داعش" بسوريا... "كمّاشة" أميركية لاحتواء الأوروبيين

19.11.2019, 14:27, دمشق

يتضح أن الولايات المتحدة متأكدة من أن دول الاتحاد الأوروبي لا يمكن أن تقبل بعودة مقاتلي "داعش" الأجانب إليها، وهي (واشنطن) في حقيقة الأمر لا ترى ضيراً في ذلك، فلديها العديد من الخيارات التي يمكن أن تصرف مقابلها فاتورة الإبقاء على العناصر الإرهابية في سوريا.

مصدر الصورة: AFP

يبدو أن ملف مقاتلو تنظيم "داعش" المعتقلون لدى قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، تَحَوّل إلى ورقة سياسية رابحة تدفع بها واشنطن لفرض مواقفها المتغيرة بحسب مصالحها ونهجها المتبدل في سوريا، مقابل رهبة تعيشها الدول الأوروبية حيال هذا الملف، وتخَوّف تلك الدول في أن تعود العناصر الإرهابية إلى أراضيها بعد أن راكموا تجربة في القتال والإرهاب.

 

و تعتقل "قسد"، نحو 12 ألف عنصر من "داعش"، بينهم 3 آلاف أجنبي من 54 دولة، أما المعتقلون الآخرون فينقسمون بين نحو 4 آلاف سوري، و 4 آلاف عراقي (1).

 

ماذا تريد واشنطن من الأوروبيين في ملف معتقلي "داعش؟

 

ارتفعت مؤخراً؛ حدة التصريحات المتبادلة بين المسؤولين الأميركيين والأوروبيين حول محاكمة معتقلي "داعش" ومصيرهم، فالجانب الأميركي وعلى لسان وزير الخارجية مايك بومبيو طالب الأوروبيين بشكل أساسي بوجوب إعادة الآلاف من المقاتلين الأجانب لداعش، و "محاكمتهم على الفظائع التي ارتكبوها"، وذلك خلال اجتماع استضافته واشنطن لأعضاء التحالف الدولي لمحاربة "داعش" في 14 تشرين الثاني الجاري (2).

 

واتفقت تصريحات بومبيو مع تحذيرات ناثان سيلز منسق مكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية الأميركية، و التي تكشف تلويح واشنطن بورقة معتقلي "داعش" أمام الأوروبيين؛ بين تخييرهم بإعادة المعتقلين إلى بلدانهم (وهو أمر صعب التحقيق لديهم)، وما بين عودة الدول الأوروبية إلى الكنف الأميركي في الملف السوري، ذلك عقب ما أحدثته العملية العسكرية التركية "نبع السلام" في شمال شرقي سوريا (9 تشرين الأول) (3)، من تعميق للشرخ بين الأوروبيين وإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بعدما اعتبر الأوروبيون -آنذاك- منحاً للضوء الأخضر من قبل ترامب لنظيره التركي (4).

 

سيلز قال من واشنطن أن "الوضع يمكن أن يتغيّر في لمح البصر.. نعتقد أنّه يجب أن يكون هناك شعور بضرورة إعادة (عناصر داعش) إلى أوطانهم الآن، طالما أنه لا يزال هناك وقت"، مضيفاً بالقول إنه "سيكون من غير المسؤول من جانب دولة أن تنتظر من العراق أن يحل هذه المشكلة بدلاً منها.. إن مطالبة دول المنطقة باستقدام مقاتلين أجانب من دولة أخرى، ومحاكمتهم وحبسهم هناك، ليس خياراً قابلاً للتطبيق".

 

يتضح على ضوء هذه التصريحات؛ أن الولايات المتحدة متأكدة من أن دول الاتحاد الأوروبي لا يمكن أن تقبل بعودة مقاتلي داعش الأجانب إليها، وهي (واشنطن) في حقيقة الأمر لا ترى ضيرا في ذلك، فلديها العديد من الخيارات التي يمكن أن تصرف مقابلها فاتورة الإبقاء على العناصر الإرهابية في سوريا.

 

بحسب النظرة الأوروبية تجاه ترامب الذي تخلى عن حلفائه الأكراد في العملية العسكرية التركية "نبع السلام"، وأعلن مراراً عزمه عن الانسحاب ليعدل عن ذلك لمصالح تتصل مباشرة بالسياسة الأميركية، الأمر الذي قد يكون زاد من تعقيدات المشهد السوري في مناطق شمال شرقي سوريا، وهو ما لا تريده واشنطن ليس من أجل إحلال السلام هناك، وإنما لضمان تجاوب الأوروبيين في أي توجه أميركي يتعلق باستراتيجيتها لحفظ توازنات النفوذ في المنطقة هناك.

 

لقد سعت واشنطن من حادثة مقتل زعيم تنظيم "داعش" الإرهابي، أبو بكر البغدادي (نهاية تشرين الأول الماضي)، إلى تشكيل مرحلة جديدة في مكافحة هذا التنظيم، فهي تريد الإيحاء بجديتها في ضمان القضاء على التنظيم (5)؛ مقابل تقاعس الأوروبيين في إنهاء ملف محاربة التنظيم الإرهابي، ورفضهم تسلّم معتقلي التنظيم.

 

في حين تقود باريس رفض الاتحاد الأوروبي باستقبال عناصر "داعش"، وهي التي تتمسك بمنع عودة ما يقارب المئة داعشي من حاملي جنسيتها بذريعة الإبقاء على أولئك العناصر معتقلين بشكل آمن ومتواصل في سوريا، فهي (باريس) تريد في أسوأ الأحوال أن تُحاكَم تلك العناصر على مقربة من المكان الذي ارتكبوا فيه جرائمهم.

 

بينما قد تلجأ بريطانيا، إلى إجراء سحب الجنسية من إرهابيي داعش، للتملص من مسؤوليتها تجاه عودة العناصر الحاملين للجنسية البريطانية من سوريا.

 

ويبدو أن تراجع ترامب مرة أخرى عن الانسحاب الكامل لقوات بلاده في شمال شرقي سوريا، بمثابة إعلان نوايا عن مساعي أميركية لفرض نفوذها هناك ولكن بشكل جديد، قد لا يقتصر فقط على حماية حقول النفط بشكل يتعدى كل أطر القانون الدولي (6)، وذلك بحجة حمايتها من "داعش" الذي  كان و سبق وأن أعلن ترامب بنفسه أن التنظيم الإرهابي تعرض لهزيمة كاملة في سوريا.

 

وبحسب تقارير أميركية فإن خطة ترامب للحفاظ على الوجود العسكري في حقول النفط السورية لا تتفق مع أهداف الاستراتيجية الأميركية المعلنة في سوريا (7)، بل أنها تشبه بدلا من ذلك ما اتهمه النقاد منذ فترة طويلة، وهو أن واشنطن "تقوم بالغزو والاحتلال من أجل السيطرة على الموارد الطبيعية"، ولكن يبقى ذلك نظرة قاصرة للمساعي الأميركية في شمال شرقي سوريا.

 

إن الاتفاق التركي-الروسي حول مناطق شمال شرقي سوريا أو ما يعرف بـ "مناطق شرق الفرات" في 22 تشرين الأول الفائت (8)، قد يكون السبب الرئيسي في إعادة الإعلان الأميركي المتجدد حول نشر القوات في شرق سوريا، ما يعني أن ذريعة حماية حقول النفط هي خطوة ابتدائية أعلنها ترامب ستتبعها خطوات لاحقة، وستكون في مقدمتها رسم معالم مناطق تقاسم النفوذ هناك، وترتيب معالم "المنطقة الآمنة" التي كانت تتحدث عنها تركيا وفق ما تسعى إليه واشنطن لتعطيل التوافق التركي-الروسي حول ذلك.

 

سيناريوهات مستقبلية

 

لا يبدو أن التوافق الأوروبي-الأميركي سيكون قابلاً للحدوث حول تأييد دول الاتحاد الأوروبي لنهج واشنطن في خلط الأوراق مجددا في المنطقة الشرقية بالتحديد، عبر إطار "حلف الناتو" الذي كان قد طرحت ألمانيا عبره -مؤخراً- نظرة مختلفة تجاه شكل المنطقة هناك (9).

 

سيكون لكل طرف من الفواعل الرئيسية في الشأن السوري؛ دوره في ترتيب أوراق الملف السوري، فالجانب التركي الذي يهدد دائماً بفتح أبواب بلاده أمام اللاجئين السوريين نحو أوروبا؛ لن يستطيع طمأنة أوروبا في مسألة معتقلي "داعش" في سوريا وكذلك لن يكون طرفاً حاسماً لهذا الشأن؛ دون الوجود الروسي الذي سيكون في هذا المقام محتوياً لتبعات التوتر الأخير بين الأتراك والأوروبيين حول تهديدات أردوغان بفتح الحدود التركية مع أوروبا أمام اللاجئين السوريين في بلاده (10).

بينما تبدو أن الخلافات الأوروبية-الأميركية حول معتقلي "داعش" لن تُحَلّ في فترة وجيزة، فالجانب الأوروبي المُعترض على العملية العسكرية التركية "نبع السلام" (11)، وما قد يكون نتج عنها من هروب لمسلحي "داعش"، فضلاً عن سيطرة تركيا على جزء من مناطق شمال شرقي سوريا، ما يعني استحالة حصول وفاق أوروبي تركي على هذا الصعيد  دون وجود روسي وازن في هذه المسألة.

 

إن الذريعة الأميركية المتمثلة بخطر استمرار تواجد عناصر "داعش" في سوريا، ما يتوجب إيجاد استراتيجية لضمان عدم عودة التنظيم؛ وفق الرؤية الأميركية، قد لن تجد تغلغلا متنفذا للسيطرة الأميركية هناك، فيما لو أوجدت أنقرة على المسار الأول وساطة تجمع الجانبين الروسي و الأميركي بعد الزيارة الأخيرة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى واشنطن (12)، وفي مسار ثاني تجتمع التوافقات الروسية-الأوروبية على رسم معالم المنطقة وملفاتها، ما قد يُمهّد لإنشاء محكمة دولية خاصة على الأراضي السورية لمحاكمة عناصر تنظيم "داعش" الإرهابي.

 

المصادر:

(1) معتقلو تنظيم "داعش" لدى أكراد سوريا.. أعدادهم ومواقع احتجازهم، تاريخ الدخول، 19 نوفمبر 2019، الرابط

(2) خلاف بين الولايات المتحدة وأوروبا بشأن مصير الجهاديين المعتقلين في سوريا، تاريخ الدخول، 19 نوفمبر 2019، الرابط

(3) صحيفة غربية: الاتصال الهاتفي بين أردوغان وترامب هو ما أدى للضوء الأخضر الأمريكي، تاريخ الدخول، 19 نوفمبر، الرابط

(4) ماكرون يطلب من ترامب وقف عملية "نبع السلام" شرق الفرات، تاريخ الدخول، 19 نوفمبر 2019 الرابط

(5) "كان يبكي".. ترامب يؤكد مقتل البغدادي "الجبان" ويكشف التفاصيل، تاريخ الدخول، 19 نوفمبر 2019، الرابط

(6) ترامب: أنا أحب النفط وقمنا بتأمين حقوله في سوريا، تاريخ الدخول، 19 نوفمبر 2019، الرابط

(7) نيوزويك: تحركات ترامب بسوريا تؤكد الهدف الحقيقي لواشنطن، تاريخ الدخول، 19 نوفمبر 2019، الرابط

(8) بنود الاتفاق الروسي - التركي بخصوص الوضع في شمالي سوريا، تاريخ الدخول، 19 نوفمبر 2019، الرابط

(9) خطة ألمانية لنشر 2500 جندي في سوريا، تاريخ الدخول، 19 نوفمبر 2019، الرابط

(10) ماذا يمكن أن تفعل أوروبا لمواجهة تهديدات أردوغان بفتح الحدود، تاريخ الدخول، 19 نوفمبر 2019، الرابط

(11) البرلمان الأوروبي يدين التدخل التركي في سوريا، تاريخ الدخول، 19 نوفمبر 2019، الرابط 

   (12) قمة أردوغان-ترامب..نحو شراكة استراتيجية أكثر واقعية، تاريخ الدخول، 19 نوفمبر 2019، الرابط

 

 

مالك الحافظ- باحث و محلل سيلسي، خاص لوكالة أنباء "رياليست"