أمريكا و إعادة التمركز فى الشرق الأوسط

10.11.2019, 20:45, باريس

قبل أن نخرج من نموذج منطقة الخليج يجب أن نتذكر أن نظام الملالي الذى صنع في البيوت الآمنة في أوروبا وأمريكا والذي صنع خصيصا لخلق مناخ وأرضية تسمح لعقود بغطاء للتواجد الأمريكي والإستيلاء على مزيد من الثروات العربية وإستخدامه مثل فزاعة لصراع سني - شيعي لعقود والقرار الأمريكي الآن التخلص من نظام الملالي في طهران فلم تعد بحاجة لغطاء تستخدمه فلقد إحترق هذا الكارت نهائيا وتحت غطاء الإحتجاجات الشعبية الحقيقية للشعبين العراقي واللبناني تقوم أمريكا بضرب التواجد الإيراني لخلخلة الأدوات التي أعلنت عنها إيران مسبقا بأنها تسيطر على 4 عواصم عربية والأمر نفسه يحدث في اليمن الآن.

مصدر الصورة:Nobases.org

دائما ما يتابع الساسة والمفكرين والمخططين الإستراتيجيين والمؤسسات السيادية حول العالم التحركات الأمريكية في الشرق الأوسط تارة بعين الرضا وتارة أخرى بعين الريبة كل حسب مصالحه وتحالفاته مع أمريكا أو عكس ذلك.

 المؤكد أن الأجيال الحالية تتذكر جيدا فترة الثماني سنوات الدموية التي تولى فيها جورج بوش الإبن رئاسة أمريكا حين عمد إلى تدمير المنطقة العربية وإخضاعها بناء على معلومات يعلم تماما أنها خاطئة ولكنه تبنى قرار الحرب بناء على قرار وتخطيط مسبق من المحافظين الجدد مستندين في هذا إلى نبوءات قديمة تشير إلى عوده سيدنا عيسى عليه السلام.

 

توالي التدمير
 

تبع ذلك فترة ثماني سنوات أخرى لباراك أوباما الرئيس الأمريكي السابق، عرّاب الخراب الذي أكمل ما بدأه سلفه جورج بوش الإبن من تدمير وخراب تحت مسميات نشر الديمقراطية. إنها سياسة مؤسسات لا تتغير أهدافها نهائيا ولكن من الممكن أن تتغير آليات وأدوات التنفيذ ما بين لين وشدة حسب ظروف الموقف المناهض لهذه السياسات. وصولا إلى مرحلة الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب رجل المرحلة الذي دعمته المؤسسات الأمريكية بناء على سيناريوهات سابقة من التفاهمات حول متطلبات مرحلة حكمة والمطلوب تنفيذه فيها، وكانت فترات الحكم السابقة منذ عهد جورج بوش الأب ثم كلينتون ثم جورج بوش الإبن ثم أوباما هي مراحل خلخلة وتحضير الأرض لحصد المكاسب المالية والسياسية والعسكرية والإستراتيجية دون جهد يذكر أو قدره على المقاومة من دول المنطقة وهذا ما يقوم به دونالد ترامب منذ بدء فترة ولايته.

 

إعادة التمركز

 

قبل أن نتطرق إلى إعادة إنتشار وتمركز القوات الأمريكية في الشرق الأوسط يجب نشير إلى تغير في المعادلة وهو الوجود الروسي وإدارة هذا التواجد بحرفية عالية جدا من قبل القيادة السياسية الروسية، وهذا يدفع بالمخطط الإستراتيجي الأمريكي إلى التفكير في إعادة التمركز بطريقة تختلف عن طريقة الإنتشار السابقة بما يقوض الوجود الروسي من وجهه النظر الأمريكية، وأيضا يواجه التفاهم الروسي - الصيني المتزايد في الشرق الأوسط. بناء على ما سبق ذكره، قامت الإدارة الأمريكية بمباركة ضمنية للتجاوزات الإيرانية منذ وقت بعيد لتوفر أسباب التوتر والصراع العربي - الإيراني لتستفيد منه الولايات المتحدة الأمريكية ولتحقق أسباب الحاجة إليها وتوفير غطاء لتواجدها والإستيلاء المتزايد على ثروات المنطقة لترميم التصدع والهلاك المستمر في الإقتصاد الأمريكي.

وكما هو معلوم لكل المختصين في الشؤون السياسية والإستراتيجية أن توزيع القوات الأمريكية يتمركز حول مصادر الطاقة والممرات الملاحية العالمية إضافة إلى التحكم في منابع المياه، وجدير بالذكر أن الخارجية الأمريكية بها منصب أهم من منصب وزير الخارجية وهو منصب مدير إدارة الطاقة بالخارجية الأمريكية وهذا يؤكد ما نحن بصدده.

 

غطاء وهمي

 

إعادة التمركز في دول الخليج مرة أخرى تحت غطاء حماية الحلفاء من النفوذ الإيراني الذي سمحت هي نفسها به لإيران وتحت غطاء غربي كامل وللتذكير إن دول الخليج معظم ثرواتها النفطية بالقرب من الخليج العربي إضافة إلى العراق بما في ذلك إيران وهو ممر مائي عبر مضيق هرمز الذي يمر منه حوالي من 18 إلى 20 % من نفط العالم. كذلك عند الإعلان الأمريكي من شمال سوريا قامت القوات الأمريكية بالإستيلاء عن حقول النفط وجاء الإعلان على لسان الرئيس ترامب نفسه الذي أقر بذلك وقال لابد أن تعمل شركاتنا وهذا فرض أمر واقع مخالف لكافة الأعراف والقوانين الدولية حيث سرق النفط السوري بواسطة الدواعش وبيعه عبر تركيا لسنوات وكانت روسيا أول من فضح هذا الأمر بتصوير جوي لشاحنات النفط المسروق إلى تركيا وسط صمت أمريكي ونفي تركي كاذب، واليوم ترامب يقوم بنفس العمل ومعنى هذا أنه لن يترك المنطقة أو ثرواتها كما إدعى سابقا.

 

سياسة تقليم الأظافر

 

قبل أن نخرج من نموذج منطقة الخليج يجب أن نتذكر أن نظام الملالي الذى صنع في البيوت الآمنة في أوروبا وأمريكا والذي صنع خصيصا لخلق مناخ وأرضية تسمح لعقود بغطاء للتواجد الأمريكي والإستيلاء على مزيد من الثروات العربية وإستخدامه مثل فزاعة لصراع سني - شيعي لعقود والقرار الأمريكي الآن التخلص من نظام الملالي في طهران فلم تعد بحاجة لغطاء تستخدمه فلقد إحترق هذا الكارت نهائيا وتحت غطاء الإحتجاجات الشعبية الحقيقية للشعبين العراقي واللبناني تقوم أمريكا بضرب التواجد الإيراني لخلخلة الأدوات التي أعلنت عنها إيران مسبقا بأنها تسيطر على 4 عواصم عربية والأمر نفسه يحدث في اليمن الآن.

 أما في سوريا فإن عمليات تقليم أظافر الحرس الثوري الإيراني مستمرة وكذلك حزب الله عن طريق عمليات نوعية لطائرات بدون طيار تارة أمريكية و تارة إسرائيلية وهنا يجب أن نشير مما سبق إلى أن إرتفاع نسبة توجيه ضربة عسكرية لإيران بات وشيكا خاصة بعد ذهابها لإعادة تخصيب اليورانيوم وبناء على ذلك سترد إيران عسكريا داخل دول الخليج مما يعني أننا سنشهد مواجهات دامية حال إشتعال الموقف وسيترتب على ذلك ضرورة توجيه ضربة عسكرية مباشرة إلى حزب الله في لبنان ولن ينتهى الأمر أو يقف عند هذا الحد بل ستقوم أمريكا بإنشاء قاعدة عسكرية دائمة لها في لبنان فيما يشبه إحتلال مباشر ولتكون قريبة جدا من القواعد الروسية في سوريا وكذلك بالقرب من غاز شرق المتوسط وخطوط إمداده التي ستصل إلى أوروبا عبر المتوسط.

 

من القاهرة إلى كازابلانكا

 

ولننتقل أيضا إلى منطقة شمال إفريقيا والتي تعاني أيضا من إضطرابات بعضها على السطح وبعضها جاهز للإشتعال عند الحاجة يفكر جديا المخطط الإستراتيجي الأمريكي في أن ينشئ عدد 2 قاعدة عسكرية أمريكية في دولتين من دول شمال إفريقيا المطلة على ساحل المتوسط لتقابلها في إسبانيا قواعد قوات التدخل السريع في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ويحاصرها من الجنوب قوات أفريكوم العاملة في إفريقيا وهنا تحضرنى مقولات سابقة لجنرالات البنتاغون بعد حرب 1973 نحن سنقوم بتحويل البحر المتوسط لبحيرة أمريكية وسنستمتع بالشمس على الشواطئ الممتدة بين القاهرة و كازابلانكا.

ويجب أن أستحضر هنا مقطع من نشيد للبحرية الأمريكية الذي يقول من قاعات مونتيزوما إلى شواطئ طرابلس ويقصدون طرابلس في ليبيا أي أن ما يحدث في ليبيا ليس عبثيا.

 

from the halls of Montezuma to the shores of Tripoli

 

وهنا يجب أن يقرر الجميع الدفاع عن بلادهم وثرواتهم أو التسليم دون قيد أو شرط أو القبول بالدخول في حظائر العبودية مسلسلين حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا، وسنرى بأم العين في الأيام القادمة من سيحفظ بلاده ومن سيبيع ومن سيتآمر مع مَن وعلى من، وإعلموا أن أمريكا لا صديق لها نهائيا.

 

 

محمد الألفي- خبير في العلاقات الدولية، خاص لوكالة أنباء "رياليست"