الإهتمام الهندي بالطاقة في آسيا الوسطى

29.10.2019, 20:55, نيودلهي

تعتبر آسيا الوسطى منطقة حضارية قديمة ساهم أفرادها بطريقة ملموسة في تقدم الإنسان خصوصا في علوم التنجيم و الطب والرياضيات  و الفلسفة و الهندسة المعمارية و الحرف اليدوية و الري و غيرها من المجالات.  وقد أدى تفكك الاتحاد السوفيتي السابق و ما تلاه من ظهور لجمهوريات مستقلة في آسيا الوسطى إلى تغيير ميزان القوى في المنطقة. و نظرا لتقاربها الجغرافي من الصين و روسيا و الشرق الأوسط وجنوب آسيا أصبحت المنطقة كيان جيوسياسي  متميز مثير للإهتمام و المصالح العالمية.

وتشمل أهداف السياسة الخارجية للهند تعزيز الإستقرار في هذه المنطقة وتطوير سوقها الحرة و الإقتصاد و التجارة والنقل عبر هذا الممر الأوراسي. تعتبر هذه المقالة محاولة معمقة لفهم الإتجاهات الجيوستراتيجية و الإقتصادية  في هذه المنطقة. كما تتناول المقالة  الوضع الحالي للتعاون التجاري و الإقتصادي بين كل من الهند و دول آسيا الوسطى.

المقدمة

لظهور آسيا الوسطى (كازاخستان، قيرغزستان، طاجاكستان، تركمانستان و أوزباكستان) أهمية كبيرة  من الناحية السياسية والإقتصادية. إضافة للهند، تشكل آسيا الوسطى منطقة ذات أهمية إستراتيجية عالية. فلهاتان المنطقتان إستمرارية جغرافية الأمر الذي يمكنها من التأثير على بعضها البعض. و مع العولمة، أصبحت الطاقة تعد ضمانا خاصا للتنمية الديناميكية للإقتصاد الحديث.  فالحاجة إلى  إمدادات مستقرة للنفط  والغاز واليورانيوم تستلزمها الحاجة المتزايدة المستمرة للاقتصادات العالمية الرائدة.

 

من هنا  أضاف ظهور جمهوريات آسيا الوسطى بُعدًا استراتيجيًا جديدًا إلى الجغرافيا السياسية للعالم بأسره. و يعتقد أن هذه المنطقة تحتوي إضافة لليورانيوم على إحتياطات كبيرة من الغاز و النفط.  فيتواجد النفط و الغاز في آسيا الوسطى في كازاخستان وتركمانستان وأوزبكستان بينما تتمتع طاجاكستان وقرغيزستان بموارد كهرومائية هائلة. ويمكن لبعض جمهوريات آسيا الوسطى ككازاخستان و أوزباكستان أن تلعب دورا مهما في قطاع اليورانيوم كذلك. وقد أدى عدم استقرار أسعار النفط إلى قيام البلدان في جميع أنحاء العالم بدراسة اليورانيوم كبديل للهيدروكربون.

 

تعتبر الهند سادس أكبر مستورد لموارد الطاقة في العالم  و إحتياجاتها لهذه الموارد في إزدياد مستمر. وبما أن معظم الواردات من النفط الخام مصدرها منطقة الخليج لذا يمكن للهند أن تتجه إلى آسيا الوسطى لتوفير إمدادات  مستقرة للطاقة. ستقدم هذه المقالة  تحليلا للقضايا الرئيسية  كإتجاه التدفقات التجارية وإمكانيات آسيا الوسطى من الهيدروكاربون و اليورانيوم  كما ستركز على مشاركة القوى العظمى في هذه المنطقة و إمكانات تعاون الهند مع جمهوريات آسيا الوسطى.

 

إهتمامات الهند الجيوإستراتيجية

 

تعد الطاقة في زمن العولمة ضمانا محددا للتنمية الديناميكية للإقتصاد الحديث. إذ تعتبر موارد الطاقة اليوم من الجوانب الأساسية  للأهمية الجيوسياسية للمنطقة.  فهي حلقة الوصل لتمتين و تعزيز العلاقات  السياسية  والمنافع المتبادلة بين البلدان و المناطق. لذا تستلزم الحاجة  لإمدادات مستقرة للنفط والغاز إلى الحاجة المتزايدة المستمرة للاقتصاديات العالمية الرائدة في مجال الهيدروكربون. وفقًا لبعض التقديرات ، فإن الاستهلاك العالمي للنفط سينمو سنويًا بمعدل يتراوح ما  بين ٢ و ٢،٥ مليون برميل يوميًا خلال ال ١٥ إلى ٣٠ سنة المقبلة. في عام ٢٠٠٢ ، كان الطلب يقدر ب ٧٨ مليون برميل يوميًا ، ليصل في عام ٢٠١٥  إلى ١٠٣ مليون برميل ، ومن المتوقع أن يصل في عام ٢٠٢٥ إلى ١١٩ مليون برميل يوميًا.(1) أما الطلب على الغاز الطبيعي فسيزداد أيضا بشكل مطرد  بمعدل  ٢،٥ بالمئة سنويا لغاية ٢٠٢٥.  ومن المتوقع أن يشكل الإستهلاك العالمي في عام ٢٠٢٥  ما  يقارب ٥،٢ تريليون متر مكعب  مقارنة ب ٣ تريليون متر مكعب في يومنا هذا، أي نمو بنسبة ٢٨٪  من الإستهلاكات العالمية الحالية.(2) 

 

من هنا أضاف ظهور جمهوريات آسيا الوسطى بُعدا إستراتيجيا جديدا إلى الجغرافيا السياسية للعالم بأسره خصوصا للدول الآسيوية.(3) ويعتقد أن هذه المنطقة تحتوي على احتياطات عالمية من الهيدروكربون، إذ تشير التقديرات الحالية إلى أن منطقة بحر قزوين تملك  ما يعادل ٤ إلى ٧ بالمئة من الإحتياطات العالمية.(4) و إذا ما قارناه بالشرق الأوسط حيث يتواجد حوالي ٦٥ بالمئة من الإحتياطات العالمية فإن إحتياط بحر قزوين يعتبر هامشي. و وفقًا لتقديرات قدمتها مصادر آسيا الوسطى ، فإن الاحتياطات النفطية المؤكدة تتراوح ما بين ١٣ إلى ١٥ مليار برميل ، أي ٢،٧ في المئة من جميع الرواسب المؤكدة في العالم.(5)  أما احتياطات الغاز الطبيعي المؤكدة في آسيا الوسطى حوالي ٢٣٢ تريليون قدم مكعب والتي تشكل حوالي ٧٪ من الاحتياطات العالمية.(6) 

 

بالرغم من وجود احتياطيات نفط و غاز أقل من منطقة الخليج، إلا أن تتمتع منطقة آسيا الوسطى بجميع الفرص لتصبح المورد العالمي للكميات الكبيرة من البتروكيماويات لاقتصادات العالم الرائدة التي تحتاج إلى إمدادات مستمرة للحفاظ على نموها.من هنا  تشارك القوى العالمية الكبرى وبعض القوى الإقليمية حاليًا في لعبة كبيرة جديدة لتنمية وتعزيز نفوذها في المنطقة، كما يسعون أيضًا للتأثير على مواقع خطوط أنابيب النفط والغاز لصالحهم. كباقي البلدان ، سعت الهند لتوسيع التعاون الاقتصادي وتحسين الوصول إلى موارد الطاقة.

 

تحتل كازاخستان مرتبة رفيعة في قطاع الطاقة في آسيا الوسطى.(7) إذ  تبلغ احتياطات النفط المؤكدة لديها حوالي ٣٩،٨ مليار برميل. كما تبلغ الاحتياطات المتوقعة لقطاع كازاخستان في بحر قزوين أكثر من ٦٠ مليار برميل  (٨ مليار طن من النفط الخام).(8) وبحسب   بي بي ستاتيستيكال ريفيو لعام ٢٠١٠ يبلغ احتياطي النفط المثبت في كازاخستان ٣٩،٨ مليار برميل.(9)

 

 فإنطلاقا من هذا المؤشر، احتلت  المرتبة التاسعة عالميا. وقدر نفس المصدر احتياطات الغاز الطبيعي في عام ٢٠٠٥ ب ١٨٠٠ مليار متر مكعب ، لتكون الدولة السادسة عشرة عالميا.(10) لا تزال البيانات تختلف من مصادر إلى أخرى عن احتياطات الهيدروكربون في كازاخستان اختلافًا واسعًا ، لكن  مما لا شك فيه  بأن الدولة لديها احتياطات كبيرة من الهيدروكربون. و تكمن احتياطات النفط المستكشفة الرئيسية في ثلاثة حقول (تنجيز ، قراشاجاناك ، كاشاجان).(11) و في السنوات الأخيرة ، تم اكتشاف رواسب نفطية جديدة من بينها "كاشاجان" باحتياطات مقدرة ب ١،٢ مليار طن من النفط.  هذا مجال آخر يمكن للهند وكازاخستان التعاون فيه ألا و هو المجال المدني النووي. فكازاخستان لديها يورانيوم وفير يمكن أن تستخدمه الهند لإنتاج الكهرباء.

 

كما تمتلك أوزبكستان احتياطات نفطية مثبتة تقدر بــ ٠،٦ مليار برميل.و تقدر الاحتياطات المحتملة بأكثر من ٤ مليارات طن من النفط و ٦٣٠ مليون طن من الغاز الطبيعي. تقع رواسب النفط والغاز الرئيسية في مناطق أوستيورت وبوكارا-كيفا وفيرغانا. وهي تمثل١٤ ٪ من إمكانات الموارد الكهرومائية في آسيا الوسطى.(12)

 

أما  تركمانستان فلديها إحتياطات هائلة من النفط و الغاز، تتم أكثر من ٧٠ بالمئة من عمليات الاستخراج  في منطقتي غوتورتيبي وبارساغيلميس.(13) أثناء زيارة الرئيس التركماني قربان قولي بيرديمحمدوف للهند في مايو / أيار  ٢٠١٠ ، تم إيلاء اهتمام كبير للعلاقات المرتبطة بالطاقة بين البلدين ، خاصةً في مشروع خط الأنابيب الذي تأخر إنجازه كثيراً والذي يهدف لنقل الغاز التركماني إلى الهند عبر أفغانستان وباكستان.(14) و يهدف مشروع مد  خط أنابيب الغاز الطبيعي لتركمانستان وأفغانستان وباكستان والهند إلى تصدير ما يصل إلى ٣٣ مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويًا من خلال خط أنابيب مقترح بطول ١٨٠٠ كيلومتر تقريبًا من تركمانستان إلى أفغانستان وباكستان و الهند.

 

تعتبر الهند سادس أكبر مستورد لموارد الطاقة في العالم كما أن إحتياجاتها تستمر بإزدياد. و يعتمد نموها الاقتصادي المستقر وبالتالي أمنها القومي على إمداداتها من الهيدروكربون. تستورد الهند ٧٠ في المئة من احتياجاتها النفطية ، ومن المرجح أن ترتفع هذه  النسبة إلى ٩٠ في المئة بحلول عام ٢٠٢٥. ومن المتوقع أن يزداد طلبها على الغاز الطبيعي في قطاع الطاقة  من ١٢٠ مليون متر مكعب في اليوم إلى ٣٩١ مليون متر مكعب بحلول عام ٢٠٢٥. نظرًا لكون غالبية واردات البلاد من النفط الخام والتي يعتبر مصدرها منطقة الخليج ، بدأت الهند تنوع مصادر إستيرادها  للنفط. (15) أضف لذلك ، دفعت أسعار النفط الخام المتزايدة الحكومة الهندية إلى البحث عن مصادر بديلة مستدامة للمواد الخام من هنا إعتبار آسيا الوسطى المكان البديل. الهند تتطلع بشكل متزايد إلى آسيا الوسطى كمصدر موثوق للهيدروكربون. بالإضافة إلى ذلك ، يمكن للهند أن تنقل فائض الطاقة الكهرومائية من قيرغيزستان وطاجاكستان عبر شبكة كهرباء تمتد عبر أفغانستان وباكستان إلى الهند.

 

تحسنت العلاقة بين الهند و دول آسيا الوسطى بعد تولي حكومة ناريندرا مودي السلطة في الهند. لا يمكن المبالغة في التأكيد على أهمية آسيا الوسطى في منظومة السياسة الخارجية للهند. تُصوَّر السياسة الخارجية للهند على أنها تضم مجموعات من الدوائر المتسعة باستمرار حول محور مركزي من القواسم التاريخية والثقافية. إن أمن واستقرار وازدهار آسيا الوسطى أمر ضروري لتحقيق السلام والتنمية الاقتصادية في الهند. و قد أعطى رئيس الوزراء مودي ، من خلال سياسة "الجوار أولاً" ، أهمية متزايدة للمنطقة القريبة من الهند. كما  أدت زيارة رئيس الوزراء مودي إلى خمس جمهوريات في آسيا الوسطى في عام ٢٠١٥ إلى تعزيز العلاقات بين الهند وآسيا الوسطى. فتم التطرق في هذه الزيارات لأهمية خط أنابيب الغاز ، مشكلة الإتصال أي طريق النقل الدولي بين الشمال و الجنوب الذي تم مناقشته منذ عام ٢٠٠٠ . فلقد تم إنفاق عشرات الملايين على ميناء بندر عباس و على خيار ميناء تشابهار لكن الوصول إلى آسيا الوسطى عبر المحيط الهندي أثبت أنه نهج خاطئ و ثبت فشله  حتى الان. فخلال زيارات مودي إلى دول آسيا الوسطى  نوقشت فكرة إستخدام أراضي أفغانستان للربط مع آسيا الوسطى. 

 

إن إمكانات التعاون بين الهند وآسيا الوسطى هائلة ويمكن أن تشمل مجالات عدة  كالسياحة والتكنولوجيا  والسيارات والتعليم والتعدين والاتصالات السلكية واللاسلكية والنسيج والدفاع وتوليد الكهرباء. بالنسبة للهند ، يمثل الوصول إلى القمح والقطن والمواد الهيدروكربونية أولويات استراتيجية. على الرغم من الاكتفاء الذاتي  من القمح في الوقت الراهن ، تحتاج الهند في بعض الأحيان إلى استيراد الحبوب لتلبية متطلباتها المحلية. يمكن الحصول على القمح وكذلك المنتجات الزراعية الأخرى من جمهوريات آسيا الوسطى هذه بأسعار مناسبة.

المصادر:

[1] International Energy Outlook 2005, World Oil Markets; Energy Information Administration; USA.

[2] International Energy Outlook 2005;Natural Gas Energy Information Administration, USA.

[3] Tripathi Sudhanshu; Changing Geo-Politics of Central Asia and Implications for India; India Quarterly; vol. LK11; NO.3; July-Sep 2006; p.112..

[4] Roy Meena Singh; India-Uzbekistan: Emerging Partnership for Peace and Development; Himalayan and Central Asian Studies; vol.9; no.1-2; Jan-June 2005; p.97.

[5] Milto Marina; Prospects of Transnational Gas Pipeline Projects from Caspian Littoral States to South Asia; Contemporary Central Asia; vol.viii; no 1&2; April-August 2004;p.79.

[6] Umarov Kairat; Contemporary Kazakhstan Building Strategic Partnership with India; Eurasian Report, vol.2, no.3, Autumn 2008, p.2.

[7] Kazakhstan :Paradise of Central Asia; Embassy of Kazakhstan; New Delhi, India; 2005; p.7.

[8] BP Statistical Review 2010 in World Oil and Gas Map 2010/2011, Petroleum Economist, London at  www.petroleum.economist.com

[9] Chaudhary Dipanjan; Contemporary Kazakhstan Success Story of Nation Building (New Delhi, Har Anand Publishers, 2009) p.36.

[10] Dr Babak Vladimir; The Oil and Gas Sector in Kazakhstan; Central Asia and the Caucasus; vol.4; no.40; 2006; p.42.

[11] Abduraxmonovich Abdurahim Okhunov; Economic Cooperation Between India and Central Asian Republics with Special Reference to Uzbekistan; RIS Discussion Papers; University of World Economy and Diplomacy, Ministry of Foreign Affairs, Republic of Uzbekistan; June 2003; p.6.

[12] Energy Information Administration International Energy Outlook 2009, p.37 at www.eia.gov.

[13] Dadwal Shebonti Ray; The Role of Natural Gas and Central Asia in Indian Energy Security; Journal of Energy Security; July 2010 at www.ensec.org.

[14] Dadwal Shebonti Ray; India’s  Energy Security Challenges; Dialogue; vol.8; no.2; October-December 2006; p.130.

[15] Joshi Nirmala; Reconnecting India and Central Asia  (New Delhi; Pentagon Press,2011),p.19q

 

 

د. فيجاي بهاتيا- أستاذ مساعد قسم العلوم السياسية كلية رمل أناند جامعة دلهي، الهند، خاص لـ"رياليست" الروسية.