تقدير موقف: "اتفاقية أضنة" أسست لاتفاق روسي-تركي حول شمال سوريا… بماذا نجحت روسيا؟

24.10.2019, 17:39, دمشق

بمجرد موافقة تركيا على العمل بموجب "اتفاقية أضنة" فإن ذلك يعني اعتراف الأخيرة بشرعية الأسد وسلطته، وهي مسألة كانت ترفضها أنقرة إلى وقت قريب، و لتنتفي بذلك إحدى أهم المشكلات التي كانت تعوق التعاون التركي-الروسي في الشأن السوري

مصدر الصورة: الخليج أونلاين

 

المقدمة

توصّل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ونظيره التركي رجب طيب أردوغان مساء يوم الخميس الفائت في مدينة سوتشي الروسية إلى اتفاق يتعلق بمستقبل منطقة شمال شرقي سوريا؛ أو ما تعرف بـ (شرق الفرات)، وساهم في إنهاء العملية العسكرية التركية "نبع السلام" التي كانت أطلقتها أنقرة في الـ9 من الشهر الجاري ضد "وحدات حماية الشعب" الكردية (1) والمصنفة تركياً على قوائم الإرهاب، و تعتبر الوحدات الكردية العمود الفقري لقوات سوريا الديمقراطية "قسد" (الذراع العسكري لمجلس سوريا الديمقراطية "مسد").

الاتفاق المعلن في سوتشي (2) أشار في أحد بنوده العشرة على تأكيد الجانبين الروسي والتركي على أهمية اتفاقية أضنة، مع ضمان الجانب الروسي تسهيل تنفيذ هذه الاتفاقية في ظل الظروف الحالية، فما هي اتفاقية أضنة، ولماذا حرصت روسيا على الانطلاق منها لتأسيس هذا الاتفاق.

 

اتفاقية أضنة

ارتفعت حدة التوتر بين أنقرة و دمشق في تسعينيات القرن الماضي، وذلك على خلفية دعم الأخيرة -آنذاك-  لتنظيم حزب العمال الكردستاني، وإقامة زعيمه عبدالله أوجلان في سوريا إلى جانب عدد من قياديي الحزب، ورعاية دمشق لمعسكرات تدريب الحزب في داخل الأراضي السورية ومنطقة البقاع في لبنان التي كانت تحت النفوذ السوري في ذلك الوقت. حشدت تركيا قواتها على الحدود مع سوريا في تشرين الأول من عام 1998، وهدّدت بعملية عسكرية رداً على ما قامت به دمشق بدعم حزب تصنفه أنقرة كـ "منظمة إرهابية"، وقد تكللت وساطة إقليمية بتوقيع اتفاقية أضنة في 20 تشرين الأول عام 1998.

 

ونصت الاتفاقية على التزام دمشق بعدم سماحها لأي نشاط ينطلق من أراضيها بهدف الإضرار بأمن واستقرار تركيا، وعلى تصنيف حزب العمال الكردستاني على أنه منظمة إرهابية، وكذلك حظر أنشطة الحزب والمنظمات التابعة له على أراضيها. وضمن الملحق الرابع و الأخير للاتفاقية تم التأكيد فيه على تفهم الجانب السوري أن إخفاقه في اتخاذ التدابير والواجبات الأمنية، المنصوص عليها في هذا الاتفاق، يعطي تركيا الحق في اتخاذ جميع الإجراءات الأمنية اللازمة داخل الأراضي السورية حتى عمق 5 كلم.

 

لماذا الآن اتفاقية أضنة؟

لا يعتبر الحديث عن الاتفاقية التي مر على إبرامها أكثر من 20 عاماً؛ طرحاً جديداً، فقد سبق و أن تم الحديث عن إمكانية العمل بها في شهر كانون الثاني مطلع العام الجاري، وذلك إثر ارتفاع حرارة المنطقة الشرقية من سوريا -آنذاك- بعدما أعلن ترامب في ذلك الحين عدم رغبته ببقاء قوات بلاده في سوريا، قبل أن يعود لاحقا ويعدل عن ذلك بحجة ضمان "النصر على داعش"، وقد دفعت تلك التصريحات تركيا للحديث عن "المنطقة الآمنة" التي كانت تسعى لفرضها بعمق يصل إلى 30 كلم بحجة حماية أمنها القومي من خطر الأكراد السوريين المتصلين بحزب العمال الكردستاني، وهو ما دعا لطرح العمل باتفاقية أضنة في ذلك الحين كأحد المقترحات الموجب العمل بها.

 

الآن وفي ظل المتغيرات الميدانية في منطقة شرق الفرات، يبرز التوجه الروسي في ضرورة استثمار التوافق مع الجانب التركي من خلال نزع فتيل أزمة تفجر الوضع السوري وإيقاف العملية العسكرية التركية من ناحية؛ وهو ما أعلنته تركيا فعليا بعد الاتفاق (3)، وكذلك من ناحية ثانية تأتي الفرصة مواتية لتحجيم الدور الأميركي من خلال "التواجد غير الشرعي" وفق التصريحات الروسية، عبر إقرار اتفاق ينطلق في مقام رئيس على "اتفاقية أضنة" ما يشكل بكل وضوح التأكيد على أن حكومة دمشق هي طرف شرعي وأساسي يجب التعامل معه بشكل مباشر أو عبر رعاية روسية تضمن إجراء تعديل على جزئية العمق المسموح لتركيا وزيادته من 5 كلم إلى 10 كلم.

 

ما يعني أيضاً بأن الطرف الشرعي المتمثل بحكومة دمشق هو الطرف القادر على الوفاء بالتزاماته، والذي سيكون ضامنا أساسيا للأمن القومي لدول الجوار، وبدون التفاهم والتنسيق معه لن تنجح الدول المجاورة (تركيا منها) بتحقيق مصالحها. ويضاف إلى ذلك أنه و بمجرد موافقة تركيا على العمل بموجب الاتفاقية فإن ذلك يعني اعتراف الأخيرة بشرعية الأسد وسلطته، وهي مسألة كانت ترفضها أنقرة إلى وقت قريب، و لتنتفي بذلك إحدى أهم المشكلات التي كانت تعوق التعاون التركي-الروسي في الشأن السوري، حيث كانت كل من موسكو و أنقرة  تختلفان في الرأي بشأن الأسد و شرعية سلطته والانتقال السياسي، ففي حين تعتبر روسيا حكومة دمشق هي الحكومة الشرعية في سوريا، تعارض تركيا ذلك وفق اعتبار أن السلام لن يحل في البلاد من دون رحيل الأسد.

 

كذلك فإن العمل باتفاقية أضنة يعني أن تدخل موسكو في سوريا والذي جاء بطلب من دمشق في أيلول عام 2015 يقضي بحال من الأحوال إعطاءها دوراً ريادياً في التنسيق الأمني بين أنقرة ودمشق لضمان تنفيذ الاتفاق الأخير في سوتشي بكافة بنوده بعدما وافقت عليه دمشق ودعمه الأسد. (4) وذلك يزيد من إضعاف دور التواجد العسكري الأميركي في سوريا والذي تتفق على ضرورة إخراجه كل من موسكو و دمشق في مناسبات عدة، وحتى قد يدفع في الأيام المقبلة أنقرة أيضاً إلى الطلب من الولايات المتحدة ضرورة الإسراع بمغادرة الأراضي السورية لضمان تنفيذ الاتفاق التركي الروسي ومنع عرقلته، بخاصة و أن الأخيرة ناورت مجددا بإعلان أحد مسؤوليها الإبقاء على نحو 200 جندي شمال شرقي سوريا (5)، بذريعة مكافحة تنظيم "داعش" الإرهابي، ومنع وقوع مناطق النفط في أيدي حكومة دمشق وروسيا، وفق الزعم الأميركي.

حيث باتت المتغيرات التي طرأت على الملف السوري تثبت لأنقرة أن انخراطها مع موسكو يساعدها في تحقيق أهدافها، في مقابل أن تعاملها مع واشنطن لم يجلب لها إلا الخيبة.

 

الحسابات و المكاسب

لقد منحت التطورات في شرق الفرات نفوذا أكبر لروسيا؛ وترسيخ موقعها في التحكم بخيوط الملف السوري، و بات الدور الروسي في سوريا عقب إعلان الاتفاق المعلن في سوتشي، دوراً متعاظماً أكبر عن ذي قبل، وصارت التفاهمات الروسية التركية في أعلى درجاتها. إن روسيا التي تمتلك علاقات جيدة مع الأطراف الثلاثة المتعلق بها الاتفاق (أنقرة، دمشق، الأكراد)، ستدخل قوات شرطتها العسكرية إلى جانب حرس الحدود التابع للقوات الحكومية السورية بغية تسهيل إخراج عناصر الوحدات الكردية وأسلحتهم حتى عمق 30 كم من الحدود السورية التركية، لتذهب بعدها إلى البناء على مذكرة التفاهم الموقعة بين دمشق والأكراد في الـ 13 من الشهر الجاري والتي قضت بانتشار قوات حكومية في مناطق حدودية مع تركيا وهذا الإجراء الذي كان عاملاً مهماً عملت من أجله موسكو لتتوافق لاحقاً مع أنقرة على الانطلاق من أي اتفاق للمنطقة عبر "اتفاقية أضنة" وتولية دمشق دوراً شرعياً ورئيسياً في أي عملية تفاهم مستقبلية تؤسس توافقات سياسية مشتركة.

 

في البندين الثامن والعاشر من الاتفاق الروسي-التركي نقاطا في غاية الأهمية لدى موسكو، ويصبان في عمق الرؤية الروسية للحل في سوريا، حيث يشير البند الثامن إطلاق جهود روسية تركية مشتركة لتسهيل العودة الطوعية والآمنة للاجئين السوريين، لتكون بذلك تركيا التي استقبلت أكثر من 3 مليون لاجئ سوري؛ شريكاً رئيسياً لروسيا في خطتها الهادفة إلى عودة اللاجئين السوريين إلى بلدهم وهو المخطط الذي طالما عارضته دول غربية في وقت سابق مستندين في ذلك إلى ضرورة إكمال تنفيذ حل سياسي حقيقي قبل البحث في سبل عودة اللاجئين.

 

وعرضت روسيا في تموز 2018؛ على الولايات المتحدة ودول أخرى خططا لإعادة اللاجئين بالتنسيق مع دمشق، حيث جاءت الخطة الروسية مباشرة بعد الانتهاء من وضع جنوب غرب سوريا تحت السيطرة الكاملة لدمشق برعاية روسية.(6)

 

بينما يشير البند العاشر إلى مواصلة موسكو و أنقرة العمل على إيجاد حل سياسي دائم للنزاع السوري في إطار آلية أستانا، فضلا عن دعم نشاط اللجنة الدستورية التي تنطلق أولى اجتماعاتها في الـ30 من الشهر الجاري، وهو ما يمثل تأكيداً جديدا على نجاح الدبلوماسية الروسية ودعمها من قبل الشريك التركي عبر آلية أستانا كمسار موازي للجهود الأممية في الدفع بالعملية السياسية في سوريا، حيث قضت آلية أستانا بتشكيل اللجنة الدستورية، عملاً بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254.

 

وفي هذا السياق تضمن موسكو استمرار دعم أنقرة للعملية السياسية بدفع المعارضة السورية المقربة منها للانخراط أكثر فأكثر في مخرجات آلية أستانا. وكان التعاون التركي الروسي عبر آلية أستانا قد حدّد أطر مفاوضات "خفض التصعيد"، فكانت أنقرة شريكاً لاغنى عنه بالنسبة لموسكو، وهي التي أدّت دوراً أساسياً في دفع المعارضة السورية التي تدعمها تركيا إلى المشاركة في المفاوضات، وساهمت آلية أستانا في تسهيل التوصل إلى عدد من الاتفاقات لمعالجة القتال في عدة مناطق سورية سواء في المحافظات الجنوبية (درعا و القنيطرة) أو مناطق في أرياف دمشق الغربية والشرقية، وصولا إلى مناطق في وسط سوريا (أرياف حمص و حماة).

 

ماذا عن المُقبل؟

 

رغم الاتفاق الروسي التركي والتفاهم المشترك بين الجانبين على تنفيذ بنوده انطلاقا من اتفاقية أضنة بالتوازي مع دعم دمشق للاتفاق، إلا أن معوقات تنفيذ الاتفاق تتمثل في مسألتين لا يتعلق أحدهما في الجانب الكردي؛ فالوحدات الكردية لن تكون من مصلحتهم تعطيل الاتفاق، بخاصة و أنهم لن يكونوا مضطرين للانسحاب على طول الحدود وبالعمق المشار إليه 32 كلم، لتكون تفاهمات انسحابهم أو حتى بحث مسألة مستقبلهم العسكري مع دمشق و عبر الوساطة الروسية.

 

و إنما تتعلق إحدى تلك المسألتين بشكل مباشر بـ "القوة الصغيرة" (7) التي يصر الرئيس الأميركي دونالد ترامب على بقائها في القواعد التي أقامتها الولايات المتحدة في حقول النفط بمنطقة الجزيرة السورية، ما ينذر بمسعى أميركي للتشويش على بدء تنفيذ الاتفاق بين موسكو و أنقرة.

 

وكذلك ينسحب على التواجد الأميركي في معوقات تنفيذ الاتفاق، الدور الأوروبي غير واضح المعالم في ملف شرق الفرات في ظل تواجد قوات أوروبية هناك ضمن إطار التحالف الدولي، بخاصة و أن ألمانيا كانت اقترحت عبر وزيرة الدفاع الألمانية، أنيجريت كرامب كارينباور، يوم الاثنين الفائت، إقامة "منطقة أمنية" شمالي سوريا، تخضع لسيطرة دولية بمشاركة تركيا وروسيا، وهو الأمر الذي رفضته روسيا لاحقا معتبرة أن لا جدوى من إقامة المنطقة المقترحة من قبل ألمانيا (8)، إلا أن تبعات ذلك تبقى مفتوحة الاحتمالات.

 

المصادر:

(1) تركيا تعلن شن هجوم بري في إطار عمليتها العسكرية في سوريا، تاريخ الدخول، 24 أكتوبر 2019، الرابط

(2) بنود الاتفاق الروسي - التركي بخصوص الوضع في شمالي سوريا، تاريخ الدخول، 24 أكتوبر 2019، الرابط

 (3) تركيا تعلن وقف عملية "نبع السلام" في سورية، تاريخ الدخول، 24 أكتوبر 2019، الرابط

 (4) الكرملين: بوتين يبلغ الأسد ببنود مذكرة التفاهم الروسية التركية والرئيس السوري يؤكد دعمه، تاريخ الدخول، 24 أكتوبر 2019 الرابط

(5) خطة أميركية لإبقاء 200 جندي في شرق سوريا، تاريخ الدخول، 24 أكتوبر 2019، الرابط

(6) روسيا: لدينا خطة واضحة لإعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، تاريخ الدخول، 24 أكتوبر 2019، الرابط

(7) ترامب يبقي على قواتٍ أميركيةٍ في سوريا "لحماية آبار النفط"، تاريخ الدخول، 24 أكتوبر 2019، الرابط

(8) موسكو لا ترى جدوى من إقامة "منطقة آمنة" تحت إشراف دولي شمال سوريا، تاريخ الدخول، 24 أكتوبر 2019، الرابط